أبي منصور الماتريدي

592

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . نقول - والله أعلم : حيثما كنت من المدائن والبلدان فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، شطره : تلقاءه ونحوه وجهته . وهذا يبطل قول من يقول : إن الحرم قبلة لمن نأى عن البيت ، وبعد من أهل الآفاق ، حيث أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالتوجه إلى شطر المسجد الحرام حيث ما كانت من البلدان . وبالله العصمة والتوفيق . وقال الشيخ رحمه الله تعالى : ذكر المسجد ، ومعناه موضعا منه عرف ذلك بالفحص من البقاع البعيدة والأمكنة الخفية ، لا بالظاهر ولا ذكر وصل البيان به . وقوله : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . قيل « 1 » : وَإِنَّهُ تحويل القبلة ، هو الحق مِنْ رَبِّكَ . وقيل : وَإِنَّهُ يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، هو الحق مِنْ رَبِّكَ [ ويحتمل يعنى : القرآن هو الحق من ربك ] « 2 » . وقوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . قد ذكرنا هذا فيما تقدم . وقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ على ما ذكرنا . وقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . خاطب الكل ، وأمرهم بالتوجه إليه حيثما كانوا ، حتى لا يكون هو المخصوص به دونهم . وقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ تأويل هذا الكلام - والله أعلم - أنه لما اختار اليهود ناحية المغرب قبلة ، والنصارى ناحية المشرق بهواهم ، فأنزل الله عزّ وجل : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 2 / 34 ) . ( 2 ) سقط في أ ، ط .